أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

689

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الشأن ، لأنّ ضمير الشأن لا يفسّر إلا بجملة ، واسم الفاعل مع فاعله عند البصريين مفرد ، والكوفيون يجيزون ذلك . الثاني : أن يكون « آثم » خبرا مقدما ، و « قلبه » مبتدأ مؤخرا ، والجملة خبر « إنّ » ذكر ذلك الزمخشري وأبو البقاء وغيره ، وهذا لا يجوز على أصول الكوفيين ؛ لأنه لا يعود عندهم الضمير المرفوع على متأخر لفظا ، و « آثم » قد تحمّل ضميرا لأنه وقع خبرا ، وعلى هذا الوجه فيجوز أن تكون الهاء ضمير الشأن وأن تكون ضمير « من » . والثالث : أن يكون « آثم » خبر إنّ ، وفيه ضمير يعود على ما تعود عليه الهاء في « إنه » ، و « قلبه » بدل من ذلك الضمير المستتر بدل بعض من كل . الرابع : أن يكون « آثم » مبتدأ ، و « قلبه » فاعل سدّ مسدّ الخبر ، والجملة خبر إنّ ، قاله ابن عطية ، وهو لا يجوز عند البصريين ، لأنه لا يعمل عندهم اسم الفاعل إلا إذا اعتمد على نفي أو استفهام نحو : ما قائم أبواك ، وهل قائم أخواك ، وما قائم قومك ، وهل ضارب إخوتك . وإنما يجوز هذا عند الفراء من الكوفيين والأخفش من البصريين ، إذ يجيزان : قائم الزيدان وقائم الزيدون ، فكذلك في الآية الكريمة . وقرأ ابن أبي عبلة : « قلبه » بالنصب ، نسبها إليه ابن عطية . وفي نصبه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه بدل من اسم « إنّ » بدل بعض من كل ، ولا محذور في الفصل بالخبر - وهو آثم - بين البدل والمبدل منه ، كما لا محذور في الفصل به بين النعت والمنعوت نحو : زيد منطلق العاقل ، مع أنّ العامل في النعت والمنعوت واحد ، بخلاف البدل والمبدل منه فإنّ الصحيح أنّ العامل في البدل غير العامل في المبدل منه . الثاني : أنه منصوب على التشبيه بالمفعول به ، كقولك : « مررت برجل حسن وجهه » وفي هذا الوجه خلاف مشهور ، وهو ثلاثة مذاهب : الأول مذهب الكوفيين وهو الجواز مطلقا ، أعني نظما ونثرا . الثاني : المنع مطلقا ، وهو مذهب المبرد . الثالث : منعه من النثر وجوازه في الشعر ، وهو مذهب سيبويه ، وأنشد الكسائي على ذلك : 1146 - أنعتها إنّي من نعّاتها * مدارة الأخفاف مجمرّاتها غلب الرّقاب وعفر نياتها * كوم الذّرى وادقة سرّاتها « 1 » ووجه ضعفه عند سيبويه في النثر تكرّر الضمير . والثالث : أنه منصوب على التمييز حكاه مكي وغيره ، وضعّفوه بأنّ التمييز لا يكون إلا نكرة ، وهذا عند البصريين ، وأمّا الكوفيون فلا يشترطون تنكيره ، ومنه عندهم : إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ « 2 » و بَطِرَتْ مَعِيشَتَها « 3 » وأنشدوا :

--> ( 1 ) البيتين لعمرو بن لحي انظر شرح المفصل ( 6 / 83 ) ، المقرب ( 1 / 140 ) ، الأشموني ( 3 / 11 ) ، البحر ( 3 / 357 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 130 ) . ( 3 ) سورة القصص ، آية ( 58 ) .